القاضي عبد الجبار الهمذاني

173

تثبيت دلائل النبوة

فإن قالوا : مبتدع في دين النصرانية كما مثل ذلك مبتدع في الاسلام ، قيل له : إن الروم قد كانت قبل التنصر تأكل الخنزير ، وتستعمل الخصاء ، وتغزو الأمم ، وتسبي وتقتل وتسترقّ ، وترى في الزنا ما قد ذكرنا ، وتسير السيرة التي وصفنا . ولما تنصرت دامت على تلك السيرة فما زايلتها ولا زالت عنها ، فمتى كان هذا الابتداع . ولا فرق بين من ادّعى هذا ، وادعى ان الروم كانت على خلافه ورجعت إليه لما تنصرت ، ومن انتهى إلى هذا فقد جحد وكابر وليس مع المكابرة مناظرة . ومما يحتج به النصارى وهو أكبر شبههم في دينهم ، وأجل ما يلجئون إليه ، وهو عمدة الخواص والعوام منهم ، ان يقولوا : النصرانية دين صعب ضيق ، قد أجابت إليه الأمم الكبيرة والملوك بلا إكراه ولا سيف ولا قهر ولا غلبة ، وما كانوا ليجيبوا إلى ذلك إلا بالآيات والمعجزات التي ظهرت على أيدي / الدعاة إليها من الرهبان والرواهب . قيل له : قد بيّنا وعرف تبديل النصارى لدين المسيح وميلهم إلى ملوك الروم ، وقد شرحنا ذلك وعرفناه ، فلا نجد إلا النصارى ترومت ولم تتنصر الروم . وأصل طوائفكم هم الروم ، فهذا شاف كاف . ولو لم نعلم هذا وكيف الحيلة فيه من أوله إلى آخره لما كان يشكل علينا أيضا بطلان هذا الاحتجاج وفساده ، وأن أهل هذا الدين لا يظهر اللّه على أيديهم معجزة ، ولا ينقض على يد أحد منهم عادة ؛ كيف والمعجزات لا تكون إلا للأنبياء عليهم السلام وفي زمانهم . ثم يقال للنصارى : إنكم ادّعيتم الصحة لدينكم بالكثرة والملوك الذين تدينوا بدينكم ، والكثرة لا تكون دلالة في صحة الديانة ، وإنما يدل على